الشيخ محمد علي طه الدرة

437

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ أي : كما بيّن الصيام ، وأحكامه ، وشرائعه ، وتفاصيله ، كذلك يبين سائر أحكام الشريعة على لسان عبده ورسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي : يعرفون كيف يهتدون ، وكيف يطيعون ؟ فيبتعدون عن المعاصي ، أو ينتظمون في سلك المتقين . والترجّي في هذه الآية ، وأمثالها ، إنما هو بحسب عقول البشر ؛ لأنّ اللّه تعالى لا يقع منه ترجّ لعباده ، وأعمالهم . تعالى عن ذلك علوّا كبيرا ! تنبيه : سبب نزول الآية الكريمة : أنّه كان في ابتداء الأمر بالصّوم إذا أفطر الصائم عند الغروب ؛ حلّ له الطعام ، والشّراب ، والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة ، أو ينام قبلها ، فإذا صلّى ، أو رقد قبلها ؛ حرم عليه ذلك كله إلى الليلة القابلة ، ثم إن عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - واقع أهله بعدما صلّى العشاء ، فلما اغتسل ؛ أخذ يبكي ، ويلوم نفسه ، ثم أتى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : يا رسول اللّه ، إني أعتذر إلى اللّه ، وإليك من هذه الخطيئة ، وإنّي رجعت إلى أهلي بعدما صليت العشاء ، فوجدت رائحة طيبة ، فسولت لي نفسي ، فجامعت أهلي . فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما كنت جديرا بذلك يا عمر ! » فقام رجال ، فاعترفوا بمثل ذلك ، فنزل في عمر ، وأصحابه - رضي اللّه عنهم - أجمعين ، قول اللّه تعالى : فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ . . . إلخ . وعن البراء بن عازب - رضي اللّه عنه - قال : كان أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إذا كان الرجل صائما ، فحضر الإفطار ، فنام قبل أن يفطر ، لم يأكل ليلته ، ولا يومه ؛ حتى يمسي ، وإن قيس بن صرمة الأنصاري - رضي اللّه عنه - كان صائما ، فلمّا حضر الإفطار ؛ أتى امرأته ، فقال : أعندك طعام ؟ قالت : لا ، لكن انطلق ، فأطلب لك طعاما ، وكان يومه يعمل ، فغلبته عينه ، فنام ، فجاءته امرأته ، فلما رأته نائما ؛ قالت : خيبة لك يا قيس ! فلمّا انتصف النهار ؛ غشي عليه ، فذكر ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت الآية الكريمة ، ففرحوا بذلك فرحا شديدا ، وذلك قوله تعالى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا . . . إلخ . تنبيه : من أكل ، أو شرب ناسيا ؛ فإنه لا يفطر ، سواء أكان الصّوم فرضا ، أم تطوّعا ، لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من نسي وهو صائم ، فأكل أو شرب ، فليتمّ صومه ، فإنّما أطعمه اللّه ، وسقاه » . ومن جامع في رمضان فإنّه يفطر ، وتفطر المرأة ، وتجب الكفارة على الفاعل فقط عند الشّافعي رحمه اللّه تعالى ، وعند مالك ، وأبي يوسف ، وأصحاب الرأي تجب على الرّجل ، والمرأة ، وتوسّط أبو حنيفة ، فقال : إن طاوعته ؛ فعليها الكفارة مثله ، وإن أكرهها ؛ فلا كفارة عليها ، وأظنّ : أن هذا مذهب أحمد بن حنبل أيضا ، رحم اللّه الجميع برحمة واسعة ، ورحمنا معهم . هذا ؛ وأما الفطر في رمضان عامدا متعمدا من غير عذر ، ومن غير جماع ؛ فيجب عليه القضاء فقط عند الشّافعي ، والقضاء مع الكفارة عند غيره ، وتأوّل الشافعي الحديث الّذي رواه الترمذيّ عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ، ولا مرض ؛ لم يقضه صوم الدهر كله ؛ وإن صامه » بأنّ المراد بتحصيل الأجر ، والثواب ؛ الذي يفوته